|
|
6月10日
الحلم الاوروبي(1)
لم أكن ممن يلومون الشباب العربي علي سعيهم للهجرة لدول اوروبا وأمريكا حتي قمت بأول رحلة لأوروبا وبالتحديد ايطاليا لحضور مؤتمر عن المسئولية الأجتماعية وقبل السفر قابلت في السفارة كثير من الشباب في العشرينات من عمرهم يقفون علي أبواب السفارة في طوابير متحفزون بشدة للسفر وترك ورائهم كل شيء في بلدهم من أهل وأصدقاء ودراسة ليلحقوا بأقرباء وقرناء لهم خاضوا نفس التجربة .
وعلمت أن معظمهم من قري بعينها في محافظات مصر تشتهر بخروج الكثير من شبابها في الثمانينات والتسعينات بطرق شرعية وغير شرعية لأوروبا وأمريكا وأرسلوا لأهليهم الأموال التي ساعدتهم علي شراء الأراضي والبيوت مما شجع بقية أهالي تلك القري الي ارسال اولادهم لذلك المصير المجهول وشجع أبناءهم علي المحاولة مرارا وتكرارا بكل الطرق في ظل الظروف الأقتصادية والأجتماعية السيئة التي يمروا بها وقد دار حديث بيني وبين أحد هؤلاء الشبان وهو طالب بكلية الحقوق في السنة الثالثة وأبن أكبر لأم ترك لها زوجها الذي سافر واستقر بايطاليا بنت أخري تصغره وسألتوا ما تنوي فعله بأيطاليا قال لي سأذهب لأيطاليا بفيزا زيارة ثم أخذ القطار لفرنسا أو هولندا وأشتغل هناك وأعمل مشروع وسألني بدوره كيف حصلت علي دعوة الزيارة وهل ممكن أن ينشيء جمعية أهلية تتيح له تلك الفرصة صعبة المنال علي حد تعبيره .
وأنا علي الطائرة تذكرت ذلك الشاب الذي لصق جسمه بهيكل الطائرة بمطار القاهرة ليطير الي فرنسا ويسقط علي أحد البيوت في العاصمة الفرنسية باريس وقد نزلت حرارة جسمه 52 تحت الصفر وقبلها تذكرت أولئك الشباب الذين دفعوا مدخرات عائلاتهم للسفر في مراكب الموت وهم يعلمون أن مصيرهم مجهول يحوم حوله سواد ليل طامث في بحر لجيء خائن ولقد تحدثت مع موسي شاب مغربي في الأربعينات قضي 18 عاما في ايطاليا وقد عمل كل الأعمال التي يمكن تخيلها من نجارة وفلاحة وبائع وغاسل صحون وهو الأن يبحث عن عمل بجانب دراسته في إحدي الجامعات الأيطالية ولن أنسي دموعه التي ملئت عينيه وهو نادم علي كل السنين التي ضاعت من عمره .ولا يمكنني أن أنسي أيضا الشباب العربي الذين رأيتهم يعملون بائعين متجولين في أسواق البلدان الأوروبية وهم يتميزون عن غيرهم من المهاجرين رفضوا مغريات أخري للعمل في الدعارة والحانات ومع المافيا في ترويج المخدرات كما يرضخ الكثير من المهاجرين غير الشرعيين .
وأتيحت لي الفرصة للقاء مروان شاب من أصل تونسي وهو أحد أبناء الجيل الثاني من المهاجرين الذين يعانون من الأضطهاد العنصري وفقدان هوية في بلد مضيف لا يعاملهم كمواطنين أصليين ولا كبلادهم الأصلية التي يشعرون فيها بغربة وعدم تكيف ورغم أشتراك مروان في جمعية للحفاظ علي حقوق المهاجرين الا انه يؤمن أن لا مفر من هذا الأضطهاد .
وفي هذه الرحلة أصبح لدي صديقة من جزيرة صقلية الأيطالية وصدمتني عندما قالت انها تعاني العنصرية رغم انها أيطالية وتتمتع بحقوق كاملة للمواطنة وفتاة أخري حكت لي عن معاناة الشباب الأيطالي في الحصول علي وظيفة بمرتب محترم يعينهم علي العيش في ظل أقتصاد رأس مالي لا يرحم وتحول الي عملة جديدة (اليورو)أقوي بكثيير من عملتهم الأصلية (الليرة الأيطالي )وقد شهدت أعتراضات ومظاهرات كثيرة من الشباب الايطالي علي سياسات التعليم هناك وكيف أنهم يضطروا لدفع أموال كثيرة للتعلم وأخرون غير أيطاليون يدرسون مجانا ..
ولقد أحسست بعد جولات في الأسواق بنعيم رخص أسعار الدول العربية وأنك تحتاج للألأف من اليورو والدولارات لتعيش عيشة بسيطة وليست مترفة .أضف الي ذلك معاناتي كمسلم في الأكل هناك فلا أقرب اللحوم الا من مصدر موثوق والا فهنيئا لك العيش مع البطاطس والجبنة لفترات لا يعلمها الا الله
هذه هي تجربتي أمامكم وسأترككم تحكمون عليها ولكن من وجهة نظر شخصية نعم للتلاحم والحوار مع الثقافات الأخري وأشيد بكل طلبة العلم العرب في بلاد الغربة ولكن كرهت ذلك الحلم فأوروبا وأمريكا ليست الجنة الموعودة وبقليل من الثبات وكثير من الأجتهاد نغير بلادنا للأفضل وهذا هو الحلم الحقيقي.

|